الرئيسيةاليوميةبحـثالأعضاءالمجموعاتدخولالتسجيل

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الشيخ الفوزان في مقال جديد: الحجاب للمرأة أمر شرعي أمر الله به ورسوله.
الجمعة 18 مايو - 12:00 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» اتّباع بلاد الحرمين ملة الغربيين يرضيهم وما سواه يعجبهم ولا يكفيهم
الثلاثاء 20 مارس - 11:04 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» منكرات في الحفل الأخير لخريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة
الثلاثاء 20 مارس - 1:20 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» قسم المتون العلمية
الجمعة 16 مارس - 10:58 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» موقع المتون العلمية
الجمعة 16 مارس - 10:55 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية - الإصدار الرابع [محدث]
الجمعة 16 مارس - 10:48 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» أنواع الشرك
الجمعة 16 مارس - 3:07 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» أنواع الكفر
الجمعة 16 مارس - 3:03 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» حكم تشريع القوانين الوضعية ورأي الشيخ ابن عثيمين في ذلك
الخميس 15 مارس - 2:12 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» العولمة ومصادر التشريع وأثره في وحدة الأمة الشيخ ⁧‫صالح آل الشيخ
الخميس 15 مارس - 1:25 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

المواضيع الأكثر نشاطاً
بطاقات وعظية
مطوية (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ)
مطوية (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)
مطوية_فضائل العشر من ذي الحجة وتنبيهات حول أحكام الأضحية والذكاة
مطوية ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي )
حكم الاشتراك في ثمن الشاة الأضحية بين الأخوة الأشقاء
موقع الجماعة المؤمنة أنصار الله
مطوية (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
مطوية ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)
مطوية ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)






شاطر | 
 

  علامة باركود اهتمام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو عبد الله عبد الكريم
أبو عبد الله
أبو عبد الله


عدد المساهمات : 1908
نقاط : 5997
تاريخ التسجيل : 14/03/2011
العمر : 40
الموقع : منتدى أنصار الحق

مُساهمةموضوع: علامة باركود اهتمام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة    الإثنين 14 أكتوبر - 9:26



التوطئة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فإن الحديثَ النبوي فرعٌ من السُّنة النبوية بمعناها الشمولي العام، التي هي أصل الشريعة الثاني بعد القرآن كلام الله - عز وجل - وإنَّ جهود علماء المسلمين خلفًا عن سلف متظاهرةٌ في هذا المضمار، وفي إبراز جهود العلماء المعاصرين في خدمة السنة النبوية من خلال الحديث النبوي، مصالحُ وفوائدُ كثيرةٌ، منها: شحذ الهمم، وربط المسلمين - ولا سيما طلاب العلم - بالسُّنَّة، وعطفُهم على الاهتمام والحفاوة بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والنشأة على ذلك في العقيدة والشريعة.

هذا، وإن إبراز جهود وحفاوة وعناية سماحة الشيخ الكبير، العلامة الجليل، عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن باز (1330-1420هـ) - وهو مَن هو في مكانته، وعلمه، وإمامته، وآثاره على مَن بعده - أقول: إن إبرازها لَمِن العمل الصالح، الذي أرجو قبوله عند مولانا - سبحانه وتعالى - وآمل حصول النفع والفائدة والأثر على المسلمين عامة، وطلاب العلم خاصة؛ لبعث همتهم إلى سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهدْيه وحدِيثه.

لهذا ولغيره؛ جاء هذا البحث الموسوم بـ"اهتمام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - بالحديث النبوي، وأثره في العقيدة"، دائرًا في محورين رئيسين:
الأول: نشأة سماحة الشيخ العلمية، التي صقلتْ فيه العناية بالسُّنة النبوية، من خلال كتب الحديث، ومتون السنة، ومدوناتها، وشروحها، وأصول الحديث ومصطلحه، من خلال آثار شيوخه المحدِّثين، وتوجُّهه المبكر للعناية بتلكم المتون وشروحها، والمتون التي حفظها واستظهرها، وعنايته بكتب الحديث: مخطوطاتها ومطبوعاتها.

الثاني: في الحياة العلمية والدعوية والتعليمية، التي أظهرت عناية سماحة شيخنا وحفاوته بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وظهر هذا من خلال دروس سماحته العلمية، ومحاضراته، وفتاواه، وتوجيهاته؛ حيث اعتنى بكتب الحديث ومتونه، ومدوناته وشروحه، وأصوله وفقهه تدريسًا، وحفظًا، وإقراءً.

وأيضًا عنايته واهتمامه - رحمه الله - بالأدلة من الكتاب والسنة؛ فسِمةُ التدليل على الفتاوى والرسائل والمحاضرات، والبحوث والمناقشات، ولا سيما تربية طلبة العلم على العناية بهذا، مع العناية بتخريج الأحاديث ودراستها، وكذا الحكم على الأحاديث صحةً وحسنًا وضعفًا، والبحث في كتب الحديث وتراجم الرواة وكتب الجرح والتعديل.

ثم ثمة مظهر بارز حرَص عليه سماحتُه من خلال العناية بالأصول الخطية "المخطوطات" لكتب الإسلام، فهذا الشرح الحافل على صحيح البخاري "فتح الباري"، للحافظ الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - رحمه الله وعفا عنه - جمع له الشيخ عددًا من المخطوطات؛ لتوثيق نصه وضبطه، وفتح الله عليه بالتعليق على بعض مجلداته إلى نهاية كتاب الحج بتمام المجلد الثالث منه.

وكذلك عنايته - رحمه الله - بطبع كتب الحديث، من الصحاح، والسنن، والمساند، والمصنفات، والشروح عليها، وتكرار طبع ما نفذ منها، ثم توزيعها على طلاب العلم، والدعاة، والباحثين.

ولذا لم تخلُ مكتبة طالب علم في المملكة وغيرها - في الغالب - من أحد منشورات الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، بتوجيه سماحة رئيسها: الشيخ عبدالعزيز بن باز.

وأذكر بهذه المناسبة أن أحد العلماء بشَّر الشيخ ابنَ باز بطبع كتاب جديد طريف من كتب الفقه الحنبلي، فسأله سماحة الشيخ: وهل يعتني هذا الكتاب بالتدليل؟ فأجابه: بأن عنايته بالتعليل، فأجاب الشيخ بقوله: إذًا هو كغيره! ولم يكترثْ سماحته بطبع هذا الكتاب وأمثاله؛ لتلكم النكتة، وذاك المعنى، وهو ما يعكس عناية الشيخ بالأدلة.

هذا، والشيخ في عنايته بالحديث وترجيحه، والاهتمام العلمي والبحثي به وبعلومه، يعكس نسيجًا متوائمًا مما أبرزتْه هذه الدعوة الإصلاحية؛ حيث اهتمَّتْ بتصحيح العقيدة، كذا الحفاوة بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فتلقى أبناؤها عن علمائها وأئمتها هذه الحفاوةَ والاهتمام، ولا يخفى بروز عناية الشيخ سليمان بن عبدالله ابن شيخ الإسلام بالحديث وعلومه، ومعرفته برجاله أكثر من معرفته برجال الدرعية! وثمة نماذج عديدة غيره.

فجاء البحث في تمهيد يتلو التوطئة، وتسعة مباحث:
وقد أوردت في هذه المباحث نماذجَ مختارةً من كلامه، وتطبيقات تلكم الحفاوة في باب العقيدة، من تقريرات سماحة الشيخ ابن باز وشروحه وفتاواه، تدل على المقصود، وتحقيق المراد.

هذا، وثمة جوانب من عناية سماحة شيخنا وحفاوته واهتمامه بالحديث النبوي، وأثره عليه في الدعوة إلى الله على منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبيله، وأثره عليه في فتاواه، وأثره في أحواله وسيرته الذاتية واليومية.

وقد أرفقت بنهاية البحث ملحقًا بنماذج صور من نسخ الشيخ ابن باز الخاصة في مكتبته، من تعليقه وتعقبه على الحافظ ابن حجر في بعض الرواة المختلف عليهم.

هذا، وقد أظهرت أثر هذه العناية بالعقيدة السلفية في المبحث الأول، عند تقرير مصادر العقيدة السلفية الصحيحة تلقيًا واستدلالاً عند ابن باز - رحمه الله - وفي المبحث الرابع عند التنويه على تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري"؛ حيث عرضتُ فيه تسعة نماذجَ متنوعةٍ من تعليقات الشيخ ابن باز في العقيدة في أول واجب على المكلَّف، والتنبيه على غلط المؤولة لصفة العلو، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة التبرُّك بآثار الصالحين، ومسألة البناء على القبور وزيارة النساء لها، ثم نموذجًا لتعليق فقهي يتعلق بطهارة بول ما يؤكل لحمُه، ثم تعليقات تتعلق بالصناعة الحديثية: في علل الحديث، ومراسيل التابعين، والحكم على الأحاديث صحة وضعفًا، وتراجم الرُّواة فيما يتعلق بسماعهم، وشرط الإمام البخاري، وأيضًا من خلال ما سقته من أمثلة وتطبيقات من كلام الشيخ ابن باز - رحمه الله - على المباحث السابقة، ومقدمًا ومجليًّا نماذجَ العقيدة بالتمثيل على غيرها.

علمًا أنني لم أتطرق فيها لمنهج سماحة شيخنا في العقيدة، وجهوده فيها، ومواقفه من الدعوات الضالة والمناهج الوافدة؛ حيث ليس ذا من مناط البحث، ومحلُّه الأطاريح العليا.

هذا، وما كان من صواب، فهو بتوفيق الله وتسديده، وما كان فيه من خطأ أو تقصير، فمن نفسي والشيطان، وأعوذ بالله منه، وأستغفره من الخطأ والزلل.

وما هذا البحث إلا جهد يسير؛ لإبراز جهود هذا العَلَم الجهبذ، في مضمار الحفاوة والعناية بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال حديثه الشريف، ولترسم الخُطا، وإيضاح معالم هذا النهج الموفق، والسبيل المبرور، وهي دعوة للباحثين وطلاب العلم للعناية بهذا الجانب، وتوليته الاهتمامَ اللائق في بحوثهم ودراستهم، ولا سيما الأطاريح العليا[1] - وفق الله الجميع - وهو - سبحانه - المسؤول أن يلهمنا رشدنا، ويدلنا على مرضاته، ويجنِّبنا أسباب سخطه، ويكلل مقاصدنا وأقوالنا وأعمالنا بالرِّضا والقَبول، والإخلاص له وحده، والنوال عنده، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

التمهيد: وفيه نبذة تعريفية بسماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله:
نوهت في هذه النبذة بسماحة شيخنا، من خلال نبذة مختصرة أملاها الشيخُ تعريفًا بنفسه، وعرضًا لأهم شيوخه ونشأته، معدِّدًا أهمَّ مؤلفاتِه ومناصبه، واكتفيت بها عن التطويل في إنشاء ترجمة لائقة به، فهذه الترجمة أملاها شيخنا بلفظ نفسه، وطُبعتْ في حياته عام 1416هـ ضمن أول مجموع فتاواه ورسائله ومقالاته، المسمى "مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة"، هو جمع لفتاوى ورسائل سماحة الشيخ ابن باز[2].

هذا، وقد أضفت إليها - ولكن في حواشيها - بعضًا من زوائد ذكر الشيوخ، والكتب المقروءة عليهم، وأشياء غيرها مما سمعتُه منه، وعرفته عنه - رحمه الله - سالكًا في هذا كله مسلكَ الاختصار، مع بعض التفصيل، على منهج ترجمته - رحمه الله - لنفسه.

ولا غرابة؛ فقد عرَّف جمعٌ منَ العلماء السابقين واللاحقين بأنفسهم، وليستْ هذه الترجمة من هذا القبيل، وإنما هي كلمات موجزة صدرتْ من شيخنا بعد إلحاح تكرر عليه، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، ورفع في الدارين ذِكره، وأعلى مقامه، وجزاه عن المسلمين خير الجزاء وأوفره.

قال - رحمه الله تعالى:
"أنا عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز، وُلدتُ بمدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ، وكنت بصيرًا في أول الدارسة، ثم أصابني المرضُ في عيني عام 1346هـ، فضعف بصري بسبب ذلك، ثم ذهب بالكلية في مستهل المحرم من عام 1350هـ، والحمد لله على ذلك، وأسأل الله - جل وعلا - أن يعوضني عنه بالبصيرة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة، كما وَعَد بذلك - سبحانه - على لسان نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كما أسأله - سبحانه - أن يجعل العاقبة حميدةً في الدنيا والآخرة.

وقد بدأتُ الدراسة منذ الصغر، وحفظت القرآن الكريم قبل البلوغ، ثم بدأت في تلقِّي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض، من أعلامهم:
1- الشيخ محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله.
2- الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، قاضي الرياض[3] - رحمهم الله.
3- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض)[4] - رحمه الله.
4- الشيخ حمد بن فارس (وكيل بيت المال بالرياض)[5] - رحمه الله.
5- الشيخ سعد وقاص البخاري (من علماء مكة المكرمة) - رحمه الله - أخذت عنه علم التجويد في عام 1355هـ[6].
6- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ[7] - رحمه الله - وقد لازمت حلقاته نحوًا من عشر سنوات، وتلقيت عنه جميع العلوم الشرعية، ابتداء من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ، حيث رشحت للقضاء من قِبل سماحته.
جزى الله الجميع أفضل الجزاء وأحسنه، وتغمَّدهم جميعًا برحمته ورضوانه.

وقد توليتُ عدة أعمال، هي:
1- القضاء في منطقة الخرج مدة طويلة، استمرت أربعة عشر عامًا وأشهرًا، وامتدتْ بين سنتي 1357هـ إلى عام 1371هـ، وقد كان التعيين في جمادى الآخرة من عام 1357هـ، وبقيت إلى نهاية عام 1371هـ.

2- التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة 1372هـ، وكلية الشريعة بالرياض بعد إنشائها سنة 1373هـ، في علوم الفقه والتوحيد والحديث، واستمر عملي على ذلك تسع سنوات، انتهت في عام 1380هـ.

3- عينت في عام 1381هـ نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وبقيت في هذا المنصب إلى عام 1390هـ.

4- توليت رئاسة الجامعة الإسلامية في سنة 1390هـ بعد وفاة رئيسها شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - في رمضان عام 1389هـ، وبقيت في هذا المنصب إلى سنة 1395هـ.

5- وفي 14/10/1395هـ صدر الأمر الملكي بتعييني في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وبقيت في هذا المنصب إلى سنة 1414هـ.

6- وفي 20/1/1414هـ صدر الأمر الملكي بتعييني في منصب المفتي العام للمملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء، ولا أزال إلى هذا الوقت في هذا العمل، أسأل الله العون والتوفيق والسداد.

ولي إلى جانب هذا العمل في الوقت الحاضر، عضوية في كثير من المجالس العلمية والإسلامية، من ذلك:
1- رئاسة هيئة كبار العلماء بالمملكة.
2- رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الهيئة المذكورة.
3- عضوية ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
4- رئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد.
5- رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.
6- عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة[8].
7- عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة.

أما مؤلفاتي، فمنها:
1- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية[9].
2- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).
3- التحذير من البدع، ويشتمل على أربع مقالات مفيدة: (حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد).
4- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
5- العقيدة الصحيحة وما يضادها.
6- وجوب العمل بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكفر من أنكرها.
7- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
8- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
9- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
10- نقد القومية العربية.
11- الجواب المفيد في حكم التصوير.
12- الشيخ محمد بن عبدالوهاب (دعوته وسيرته).
13- ثلاث رسائل في الصلاة: (1- كيفية صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم. 2- وجوب أداء الصلاة في جماعة. 3- أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع؟).
14- حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
15- حاشية مفيدة على فتح الباري، وصلتُ فيها إلى كتاب الحج[10].
16- رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس، وسكون الأرض، وإمكان الصعود إلى الكواكب.
17- إقامة البراهين على حكم مَن استغاث بغير الله أو صدَّق الكهنة والعرافين.
18- الجهاد في سبيل الله.
19- الدروس المهمة لعامة الأمة.
20- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
21- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة". ا. هـ.

وهذه الفتاوى والرسائل والأجوبة، والمقالات المتنوعة، والردود العلمية، جُمعتْ بإذن سماحته في حياته في مجموع واحد يشتمل عليها، تحت عنوان: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"، وقد طبع منه إلى الآن أكثر من عشرين مجلدًا، والعمل جارٍ على إكماله، حيث بدئ بطبعه في حياة الشيخ سنة 1416هـ، واستمر بعد موته، بتوجيه الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء.

هذا، ورأيت الاقتصار في هذا التمهيد بهذا التعريف؛ لوجازته، ولكونه من إملاء سماحة الشيخ المترجم نفسه، والحمد لله.

المبحث الأول: مصادر العقيدة الصحيحة تلقيًا واستدلالاً:
إن تلقِّي العقيدة الصحيحة، والاستدلال عليها عند أهل السنة والجماعة وأئمتهم، يأتي من ثلاثة مصادر أصلية، هي:
1- الكتاب العزيز: القرآن.
2- السنة النبوية الصحيحة.
3- الإجماع المعتبَر الذي تَحرُم مخالفته، وهو الذي نوَّه عنه أبو العباس ابن تيميَّة في "العقيدة الواسطية" المتلقاة بالقبول، حيث قال بعدما نوَّه بالمصدرين السالفين:
"والأصل الثالث: الإجماع، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه الصحابة والتابعون؛ إذ بعدهم كثرت الأمة، وانتشر الخلاف". ا. هـ.

وعلى هذا درج المسلمون، وأظهر هذا علماؤهم في كل زمان وطبق، كما ظهر هذا التلقي للعقيدة الصحيحة والاستدلال عليها في منهج سماحة الشيخ ابن باز في العقيدة، ودعوته إليها، من خلال تآليفه وحواشيه، ورسائله وفتاواه، وتقريراته وأماليه، ومحاضراته وأجوبته ودروسه.

- فمن تآليفه ذائعة الصيت في هذا المضمار، رسائلُه الشهيرة: "العقيدة الصحيحة وما يضادها"، و"شرح نواقض الإسلام"، و"الدروس المهمة لعامة الأمة"، فضلاً عن غيرها.

- وهذه دروسه الكثيرة جدًّا في العقيدة والتوحيد، والحديث والتفسير، والفقه والسير، مليئة بهذا التلقي للعقيدة - بل والشريعة - من مصادرها الأصلية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والتعويل عليها تلقيًا واستدلالاً، وبسطًا وشرحًا.

- وهي كذلك في محاضراته وكلماته، ورسائله وتعليقاته، وفتاواه وأجوبته، مما يشق استيعابُه، ويظهر دلالة هذه المصادر والاعتماد عليها.

- وثمة منحًى مهمٌّ أظهر هذه الأصالةَ في تلقي العقيدة والاستدلال لها، تمثَّل في ردوده ومناقشاته لمخالفي عقيدة المسلمين، أو القادحين في سلف الأئمة وعقيدتهم في الكتب والصحف، والمجلات والمحاضرات وغيرها؛ حيث نافتْ هذه الردودُ والأجوبة على سبعين ردًّا، تتناول الدفاع عن الإسلام، والشبهات المثارة عليه دينًا وعقيدة، والتعلُّق بالآثار، والدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذم الغلو فيه وفي غيره - صلى الله عليه وسلم - وذم البدع والمحدثات، والدفاع عن القرآن، وصفات الله العلى وأسمائه الحسنى، وبيان القضاء والقدر وأصول الإيمان، وتحقيق الولاء والبراء، وبيان الشرك والكفر ووسائلهما وسد الذرائع إليهما، والتحذير من النِّفاق والمنافقين، وتحريم الاستهزاء بالله ورسوله ودينه، ورد الافتراء على الدين وأهله والصحابة، إلى غير ذلك من مضامين تلكم الردود العلمية القوية، والمناقشات القوية، المبنية على حجج الكتاب والسنة والإجماع، والأدلة العقلية الواضحة[11].

وكلام الأئمة في هذا الباب كثير، فليراجع ما كتبه علماء السُّنة في هذا الباب، مثل كتاب "السنة"، لعبدالله بن الإمام أحمد، و"التوحيد"، للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب "السنة" لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب "السنة" لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة، قد أوضح فيه - رحمه الله - عقيدةَ أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بـ"التدمرية"، قد بسط فيها المقام، وبيَّن فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق، ويدفع الباطل، لكل مَن نظر في ذلك من أهل العلم بقصدٍ صالح، ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات، فإنه وقع - ولا بد - في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية، مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.

أما أهل السنة والجماعة، فأثبتوا لله - سبحانه - ما أثبتَه لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسولُه محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنته، إثباتًا بلا تمثيل، ونزَّهوه - سبحانه - عن مشابهة خلقه، تنزيهًا بريئًا من التعطيل؛ ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله - سبحانه - فيمن تمسَّك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل وسعه في ذلك، وأخلص لله في طلبه: أنْ يوفِّقه للحق، ويظهر حجته، كما قال - تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}[12]، وقال - تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}[13].

وقد ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}[14]، كلامًا حسنًا في هذا الباب، يَحسُن نقلُه ها هنا؛ لعظم فائدته.

قال - رحمه الله - ما نصه:
"للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهبَ السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهرُ المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌّ عن الله؛ فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير؛ بل الأمر كما قال الأئمة، منهم: نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: مَن شبَّه اللهَ بخلقه، كفر، ومَن جحد ما وصف اللهُ به نفسَه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمَن أثبت لله - تعالى - ما وردتْ به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله - تعالى - النقائصَ، فقد سلك سبيل الهدى"؛ انتهى كلام ابن كثير - رحمه الله.

وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً، فيؤمن المسلم بأنَّ لله ملائكة خَلَقهم لطاعته، ووَصَفَهم بأنهم: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[15]، وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكَّلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ونؤمن على سبيل التفصيل بمَن سمَّى اللهُ ورسولُه منهم؛ كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.

وقد جاء ذِكرهم في أحاديثَ صحيحةٍ، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خُلِقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِف لكم))؛ خرجه مسلم في "صحيحه".

المبحث الثاني: عناية الشيخ ابن باز بتعلُّم الحديث النبوي وعلومه:
مضى التفصيل في عناية سماحة شيخنا ابن باز - رحمه الله - بطلب العلم، والتنويه بأهم شيوخه الذين تأثَّر بهم واستفاد منهم؛ إلا أنه برز من شيوخه الذين أفادوا الشيخَ في علوم الحديث: متونًا، وشروحًا، وأصولاً - عالمان جليلان، هما:
1- الشيخ المحدِّث المسند سعد بن حمد بن عتيق 1349هـ.
وكان قد تلقى علوم الحديث عن الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، وفي رحلاته إلى الهند والحجاز؛ حيث تلقَّى أسانيدهما عمَّن أجازه من شيوخهما.

وسماحة الشيخ ابن باز أخذ عنه، ودرس عليه، واستفاد منه، لكن بعدما كبر الشيخ سعد بن عتيق وضعفتْ قواه، ومع ذلك بعث هذا التلقي في نفس الشيخ الاهتمامَ بالحديث النبوي.

2- الشيخ المحدث الفقيه محمد بن إبراهيم آل الشيخ 1389هـ.
وهو الشيخ الذي طالتْ ملازمةُ سماحة شيخنا له مدة عشر سنين متواصلة، من سنة 1347-1357هـ إلى توليه القضاءَ، وتنوَّعتْ دراستُه على شيخه في فنون العلم، وفي مقدمتها علم الحديث النبوي، بحفظ متونه، وشرحها، ومطالعة شروح مطولاته، وحفظ أصول الحديث وهو "مصطلحه".

هذا، وقد حفظ شيخنا - رحمه الله - من متون الحديث:
- "الأربعين النووية"، للشرف محيي الدين النووي 676هـ - رحمه الله - وتتمة ابن رجب - رحمه الله.

- كما حفظ متن "عمدة الأحكام"، للشيخ عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي 600هـ، وهي التي كان شيخنا يسميها اختصارًا: عمدة الحديث.

- كما حفظ متن "بلوغ المرام، من أدلة الأحكام"، للحافظ الشهاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 852هـ.

وكان لسماحة الشيخ عناية بأكبر كتب أحاديث الأحكام المعتبرة والمطبوعة المنشورة عند الحنابلة، وهو كتاب "منتقى الأخبار"، للمجد أبي البركات ابن تيميَّة 621هـ جد شيخ الإسلام ابن تيميَّة، حيث اعتنى به سماعًا وإقراءً، وشرحًا وبحثًا فيه وفي شرحه "نيل الأوطار"، لمحمد علي الشوكاني 1250هـ.

وهذه المتون وشروحها، سمع الشيخ قراءتها، وشرحها، والتقرير عليها، من شيوخه، كما تلقَّى عنهم أصولَ الحديث من خلال "نخبة الفكر"، وشرحها للحافظ ابن حجر "نزهة النظر"، و"اختصار علوم الحديث"، المعروف والمشهور بـ"مقدمة ابن الصلاح".

واعتنى الشيخ بـ"ألفية العراقي"، كما سيأتي له مزيد بسط في عناية الشيخ بأصول الحديث.

- وكان لسماحة الشيخ عناية بقراءة الصحيحين: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، والسنن، و"مسند الإمام أحمد"، سماعًا لها في مراحل الطلب، وإقراءً لها في مراحل التعليم وبث العلم.

ومطالعة كتب الشروح عليها، ولا سيما في "صحيح البخاري"، الشرحين الشهيرين:
1- "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
2- "عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، للبدر العيني الحنفي.
مع رجوعه إلى شرح القسطلاني "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري".

وكذا شروح كتب السنن، ومطولات الشروح عليها، وعلى كتب الأحكام، حيث حبُّه لمطالعة كتب شروح الأحاديث ومبسوطاتها أشد حفاوة، وعناية، واهتمامًا من كتب مطولات الفقه المذهبي.

هل كان الشيخ يحفظ الصحيحين؟
هذا السؤال كثر في حياة الشيخ وبعد وفاته، وسمعت منه - رحمه الله - أنه لم يحفظ الصحيحين نصًّا، وإنما الظاهر لنا أنه كان يستظهرهما استظهارًا؛ بسبب كثرة المطالعة فيهما، وقراءتهما، وتَكرار الرجوع إليهما.

لكن استظهار الشيخ لـ"صحيح مسلم" أشد وأضبط، حتى ربما يصل هذا القدر إلى حفظه بمتنه وسنده، وهذا ما لاحظته عليه - رحمه الله - عند قراءة "صحيح مسلم" عليه، أو الاستشهاد منه، أو الإحالة عليه بألفاظه وتميز رجاله.

هل اعتنى الشيخ بالأسانيد والإجازات؟
وهذا ما لم ألحظه عليه - رحمه الله - كيف وشيخاه: الشيخ سعد بن عتيق، والشيخ محمد بن إبراهيم، من العلماء المسندين والمجيزين، ولم يستجزهما الشيخ، فقد سألته عن ذلك!

وقد أجازه - رحمه الله - جم من العلماء، ولكن بدون طلب منه، ومنهم الشيخ محمد شفيع الديوبندي بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع هذا لم يهتم - رحمه الله - بالاستجازة والإجازة، معللاً ذلك لي لما سألته بأن هذا يشغل الطالبَ عن الاهتمام بالعلم إلى غيره، وأن هذا لا يفيد، والمقصود العلم بالحديث والعمل به.

ملحوظة:
قد يفهم بعض الناس من عدم حفاوة الشيخ ابن باز بالإجازات المعاصرة، إنكارَه لخصيصة هذه الأمة بالإسناد، و"الإسناد من الدِّين"، وهذا ألبتة ليس بصحيح؛ بل الإسناد المتَّصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - به رُوي كلامُ الله القرآنُ، وحديثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضحُ البيان، وهذا الإسناد بتحمله، وصيغه، وأحواله، أنواع، كما قرره الحافظ العراقي في "ألفيته":
ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلِي السَّمَاعَا        وَنُوِّعَتْ   لِتِسْعَةٍ   أَنْوَاعَا


هذا، وتحفُّظ سماحة شيخنا هو على اشتغال المعاصرين بالإجازات وتتبُّعها، والغلو في جمعها والتكاثر بها، وترك الاشتغال بمقاصد تلكم الأسانيد، بالقرآن والسنة حفظًا وتعلُّمًا، ودعوة وعملاً وجهادًا، ما صار علمًا على المبتدعة، وأهل الأهواء من الصوفية، ومتعصبة بعض المذاهب الفقهية؛ فلا بد من التنبيه لهذا التفريق ولا بد.

المبحث الثالث: عناية الشيخ ابن باز بكتب متون الحديث وشروحها:
وهذه العناية لها في مسلك الشيخ ابن باز العلمي جانبان بارزان:
الأول: جانب طلب العلم، حيث بدأ بمختصرات المتون الحديثية، ثم كتب الأحكام في "عمدة الأحكام"، للشيخ عبدالغني المقدسي، ثم "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم "منتقى الأخبار"، للمجد بن تيميَّة، ثم في "صحيح البخاري"، ومسلم، والسنن، والمساند، ومصنفات الحديث النبوي.

وكان حالَ الطلب يراجع على هذه المتون وشروحها الشهيرة المتداولة بين أيدي طلبة العلم، نحو:
- شرح ابن دقيق العيد على "عمدة الأحكام"، وحاشية ابن الأمير الصنعاني عليه.
- وشرح ابن الأمير الصنعاني 1181هـ على "البلوغ"، المسمى "سبل السلام شرح بلوغ المرام".
- وشرح الشوكاني 1250هـ على "المنتقى"، والمسمى "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار".

وأعظم الشروح التي كان الشيخ يبحث فيها ويراجع عليها، شرح الحافظ الكبير ابن حجر على "صحيح البخاري"، والمعروف "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، فكان الشيخ حفيًّا به وبمطالعته، معجبًا بتقريرات الحافظ ونقوله فيه، وتنوع مباحثه ومتونه.

الجانب الثاني: جانب التعليم وبذل العلم: اعتنى الشيخ واحتفى في دروسه العامة المرتبة لطلاب العلم بكتب شروح الحديث، والتقرير عليها، ولهذا لم يخلُ درس من دروس الشيخ العلمية المرتبة فجرًا وضحًى وليلاً من القراءة في كتب المتون، وخصوصًا صحيحي البخاري ومسلم، كتب السنن: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، ومراجعة كتب شروحها.

أما "بلوغ المرام" و"عمدة الأحكام"، فكانت دروس الشيخ فيهما راتبة يكررها، ولا سيما "البلوغ"؛ ولهذا كثرت على البلوغ شروح الشيخ وتقريراته عقب صلاة العصر، ويبن أذان العشاء وإقامتها، فضلاً عن الدروس العلميَّة المرتبة فيه.

وكان الشيخ حفيًّا بمطالعة كتب الشروح؛ للتحضير منها، ومراجعة البحوث فيها في مكتبه، ومع خواص أصحابه وطلابه، حيث ينشط لهذا نشاطًا متميزًا.

حفاوة الشيخ بشروح الصحيح أنموذجًا:
وهذا النموذج أسوقه معتبرًا به، حيث لم يكن درس علمي مرتب للشيخ إلا ونجد قراءة فيه لأحد الصحيحين، وقد سمعت على شيخنا أكثر "صحيح البخاري" في دروسه قراءات متعددة متنوعة، فمنها ترتيب في أول الصحيح، ومنها ترتيب في أوسطه، وآخر في أواخره.

وقد لاحظت وشاهدت كثرة مراجعة الشيخ في شرحي "صحيح البخاري":
1- "فتح الباري"، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
2- "عمدة القاري"، للشيخ البدر العيني.

حيث يطلب من الطلبة قراءةَ ما ذكره الشارحان في المسألة، أو الحديث محل البحث وموضع الاستشكال عليه، وذلك بعدما يقرر الشيخ على الحديث ما يفتح الله منه عليه، ولهذا كان الطلبة يتسابقون لإحضار أحد الشرحين أو كليهما وقت الدرس، ولم نكن نحضر متن الصحيح فقط؛ بل ومعه أحد الشرحين، وكنت أحضر معي نسختي من "الفتح".

وكان الشيخ في كل درس تقريبًا يراجع ما نقله الشارحون في هذه المدونات، إذا احتاجت المسألة إلى مزيد عناية ومراجعة وبحث؛ إما لخفاء موضع الاستيعاب من الشراح في شروحهم، أو الحاجة إلى الوقوف إلى كلام الآخرين من المؤلفين الشارحين وغيرهم، فيطلب من الطلبة النابهين مزيد البحث والمراجعة، ويحب أن يقرؤوا عليه بحوثهم، إما في الدرس إن كان ثمة متسع، أو في بيته، أو في مختصره في مكتبته، وربما طلب صورة من البحث إن راق له، أو أعجبه نقلُ الطالب له وتحريره.

هذا، وعندي بحوث عديدة في مسائل متنوعة، كلَّف الشيخ ببحثها لهذا الغرض في شروح الحديث وغيره.

والمقصود: أن عناية سماحة شيخنا بكتب شروح الأحاديث، يمثل طرفًا عظيمًا من عنايته بالسنة النبوية وفقهها، وتناول بحوث العلماء وشروحهم في إبانتها وتجليتها.

وفي هذا الصدد أنقل من كلام الشيخ الكثير جدًّا، ما يبرز هذه العناية، ففي "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" من كتب ورسائل الشيخ يقول: "وأهم كتب الحديث وأصحها: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما، ومن بقية كتب الحديث، كالسنن الأربع، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، وغيرها من كتب الحديث المعروفة". ا. هـ[16].

كما كان - رحمه الله - يُكَرِّر هذه الوصايا وغيرها في نصحه لطلاب العلم إذا استنصحوه فيما يرتبون في طلبهم العلم، وما يطالعون ويقرؤون ويدرسون من الكتب، وكثيرًا ما أسمعه يوصي بذلك في اجتماعاتهم معه في المحاضرات في الجامعات والمعاهد، والمحاضرات والندوات المتعلقة بطلب العلم، وطريقته، وفضل العلم والعلماء، والسعي فيه، وأشباه ذلك.

ولا أحصي كثرة كم كان الشيخ ابن باز يوصي طلابَ العلم، ويوجه سائليه الطالبين توجيههم إلى ما يعتنون به من الكتب والمتون في العقيدة السلفية؛ عقيدة أهل السنة والجماعة خصوصًا، وفي تحصيل علوم الشريعة عمومًا، حيث كان يوجههم - رحمه الله - إلى العناية بكتاب الله وكلامه القرآن، حفظًا وتعلمًا، ومدارسةً وعملاً، والعناية بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيحي الإمامين البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والجامع الصحيح للترمذي، وسنن النسائي "المجتبى"، وسنن ابن ماجه، ومسند أحمد، وموطأ مالك، وصحيح ابن خزيمة وكتاب التوحيد له، وكتاب الشريعة للآجري، وشرح السنة لهبة الله اللالكائي، وكتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه ابن القيم، وتلميذه ابن كثير وابن رجب الحنبلي، ومختصرات ورسائل الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ككتاب "التوحيد"، و"كشف الشبهات"، و"ثلاثة الأصول" وغيرها، وكتب أئمة الدعوة من بعده - رحم الله الجميع.

المبحث الرابع: تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري":
إن عناية سماحة الشيخ ابن باز بالمدونة العظمى؛ بل وديوان الإسلام الكبير "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، للحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 - 852هـ)، وحفاوته الكبيرة به؛ إنما هي فرع من إجلاله واهتمامه لأصحِّ كتاب بعد كلام الله القرآن: صحيح الإمام الموفق أبي عبدالله البخاري 256هـ، الذي كان مرجع سماحته في دروسه، وقراءاته، وجلساته العلمية المتنوعة.

ولما كان أجلَّ شروح صحيح البخاري - التي نافت على ثلاثمائة شرح - وأعظمَها، وأوسعَها، وأوفرَها، شرحُ الحافظ ابن حجر: "فتح الباري"؛ اتجهتْ همةُ سماحته وعنايته إلى مطالعته، والقراءة والبحث فيه، من فترة مبكرة في مسيرة الشيخ العلمية، حتى سَمَتِ الهمةُ إلى مقابلته على بعض الأصول الخطية، التي استجلبها الشيخ من جهات عدة؛ تحريًّا لضبط وتحقيق وتوثيق هذا الشرح، وسلامته من الغلط والسقط، والتحريف والتصحيف، مع ما انضاف إلى ذلك من التحشية والتعليق على مواطن من المجلدات الثلاثة الأولى منه، في المسائل المتعلقة بالتوحيد والإيمان والعقيدة على وجه الخصوص، متعديًا إلى المباحث الفقهية، والحديثية، والعلل والنكات العلمية، على جهة العموم.

ثم توقف - رحمه الله - عن هذا العمل بنهاية المجلد الثالث؛ لانشغال سماحته بالأعمال العلمية والدعوية والقيادية والوظيفية الكثيرة جدًّا، حتى يسر الله إكمال عمله بالتعليق على المؤاخذات العقدية خصوصًا، من العبد الفقير كانت هذه الصفحات بإشارة الشيخ ابن باز ومراجعته، وقراءته وإشرافه، حتى تم العمل على سوقه وتمامه قبل وفاته - رحمه الله - بأشهر يسيرة[17].

ولعلَّ ظانًّا يظن أن تعليقات الشيخ ابن باز على "فتح الباري"، كانت في العقيدة فقط! وهذا خطأ ووهم؛ بل أكثرُ التعليقات كانت في التنبيه على مخالفات في العقيدة، ولكن كثيرًا أيضًا ما تناول المباحث الحديثية من ناحية فقه الحديث، وعلله، والصناعة الحديثية، وتوثيق الكتاب على أصوله الخطية، والتنبيه على المسائل الفقهية والتاريخية، ما يلحظه القارئ المنصف لهاتيكم التعليقات.

وسأسوق مدلِّلاً على ذلك، نماذجَ من تعليقات سماحة شيخنا على "فتح الباري"، تدل على ما ذكرته من ذلكم التنوع.
1- ففي مسألة أول واجب على المكلف، علَّق سماحته على نقل عن إمام الحرمين نقله الحافظ في "الفتح"، فقال: "الصواب ما ذكره المحققون من أن أول واجب، هو شهادة أن لا إله إلا الله علمًا وعملاً، وهي أول شيء دعا إليه الرسل، وسيدهم وإمامهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أول شيء دعا إليه أنْ قال لقومه: ((قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا))، ولما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله))، ولأن التوحيد شرط لصحة جميع العبادات، كما يدل عليه قوله – تعالى -: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[18]"[19].

2- وفي معرض التنبيه على غلط المعطِّلة المؤوِّلة لصفة العلو، قال سماحته - رحمه الله -: "الصواب عند أهل السنة وصف الله – سبحانه - بأنه في جهة العلو، وأنه فوق العرش، كما دلتْ على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويجوز عند أهل السنة السؤالُ عنه بأين، كما في "صحيح مسلم" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للجارية: ((أين الله؟))، قالت: في السماء... الحديث". ا.هـ[20].

ثم علَّق الشيخ ابن باز رادًّا على الأشاعرة وأمثالهم في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فقال: "هذا هو قول بعض أهل السنة، وذهب بعض المحققين منهم إلى أن العقل يحسن ويقبح؛ لما فطر الله عليه العباد من معرفة الحسن والقبيح، وقد جاءت الشرائع الإلهية تأمُر بالحسن، وتنهى عن القبيح، ولكن لا يترتب الثواب والعقاب على ذلك إلا بعد بلوغ الشرع، كما حقق ذلك العلامة ابن القيم - رحمه الله - في "مفتاح دار السعادة"، وهذا هو الصواب - والله أعلم". ا.هـ[21].

3- وعلق الشيخ في مسألة التنبيه على التبرُّك بآثار الصالحين، فقال: "هذا خطأ، والصواب ما تقدم في حاشية (ص677)، وغيرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُقاس عليه في مثل هذا، والحق أن عمر - رضي الله عنه - أراد بالنهي عن تتبُّع آثار الأنبياء سدَّ الذريعةِ إلى الشِّرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه - رضي الله عنهما - وقد أخذ الجمهور مما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأن في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها، فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك، غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك من فعله إلى الغلو والشرك، كما فعل أهل الكتاب - والله أعلم". ا.هـ[22].

4- ومن تعليقات سماحة الشيخ الفقهية، وأثر الحديث عليها، وضبطه للنسخ، في قوله في تعقب القول بنجاسة أبوال الإبل وما يؤكل لحمه، حيث قال - رحمه الله -: "هذا ليس بجيد، والصواب طهارة أبوال الإبل ونحوها مما يؤكل لحمه، كما يأتي دليله في حديث العرنيين، و(أل) في قوله - عليه السلام -: ((استنزهوا من البول)) للعهد، والمعهود بينهم بول الناس، كما قاله البخاري، وكما يدل عليه حديث القبرين، وأثر أبي موسى المذكور - والله أعلم". ا.هـ[23].

5- وهذا تعليق يُظهر أثر أصول الحديث تطبيقًا في مسألة من العقيدة، تعليقًا على قول الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "ومن طريق أبي عوانة عن رجل، قال: قدمتْ عائشةُ ذا طوى، حين رفعوا أيديهم عن عبدالرحمن بن أبي بكر، فأمرتْ بفسطاط فضُرب على قبره، ووكلت به إنسانًا وارتحلت"، علق الشيخ ابن باز على هذا بقوله: "هذا الأثر ضعيف؛ من أجل الرجل المبهم، وعلى فرض صحته، فالصواب ما فعله ابن عمر؛ لعموم الأحاديث الدالة على تحريم البناء على القبور، وهي تشمل بناء القباب وغيرها؛ ولأن ذلك من وسائل الشرك بالمقبور؛ فحرم فعله كسائر وسائل الشرك - والله أعلم". ا.هـ[24].

6- ومن تعليقاته المتصلة بعلل الحديث، قوله - رحمه الله - على خبر رفع اليدين في تكبيرات الجنازة: "وأخرجه الدارقطني في "العلل" بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعًا، وصوب رفعه؛ لأنه لم يرفعه سوى عمر بن شعبة، والأظهر عدم الالتفات إلى هذه العلة؛ لأن عمر المذكور ثقة فيُقبل رفعه؛ لأنَّ ذلك زيادة من ثقة، وهي مقبولة على الراجح عند أئمة الحديث، ويكون ذلك دليلاً على شرعية رفع اليدين في تكبيرات الجنازة - والله أعلم". ا.هـ[25].

7- وكذا من إعلاله لخبر السؤال والجواب بين عيسى وجبريل - عليهما السلام - قولُ شيخنا - رحمه الله -: "لا ينبغي الجزم بوقوع هذا من عيسى؛ لأن كلام الشعبي لا تقوم به حُجة، وإن كان نقله عن بني إسرائيل فكذلك، وإنما يذكر مثل هذا بصيغة التمريض، كما هو المقرر في علم مصطلح الحديث، والله أعلم". ا.هـ[26].

8- وعلق على مسألة روح المؤمن، مظهرًا الصناعةَ الحديثية بالحكم على الأحاديث المستدل بها - ومنهج الحكم على الأحاديث ظاهر جدًّا في تقريرات الشيخ وحواشيه، وفتاواه ومحاضراته - حيث قال: "خرج الإمام أحمد عن كعب بن مالك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه))، قال الحافظ ابن كثير في إسناد هذا الحديث: إنه إسناد صحيح عزيز عظيم، قال: ومعنى ((يعلق))؛ أي: يأكل، وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعًا: ((أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)) الحديث، والله أعلم". ا.هـ[27].

9- ومن دقيق تعليقات سماحة الشيخ المتعلقة بأصول الحديث ودقيق التخصص، قوله - رحمه الله -: "ظاهر كلام المزي في "التهذيب"، والشارح في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي الأسود وترجمة عبدالله المذكور، أن عبدالله قد سمع من أبي الأسود، ولم ينقلا عن أحد أنه لم يسمعه منه، وذلك هو ظاهر صنيع البخاري هنا؛ لأنه لا يكتفي بالمعاصرة، والله أعلم". ا.هـ[28].

المبحث الخامس: عناية الشيخ ابن باز بأصول الحديث:
والمقصود بأصول الحديث ما عُرف عند المتأخرين "بمصطلح الحديث"، وهو علم من علوم الآلة؛ كأصول الفقه وعلوم العربية المتنوعة، فأصول الحديث آلة لفهم وثبوت وتعلم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والتفقُّه فيه، كما أن أصول الفقه آلة لفهم الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها الشرعية، المسمى بعلم الفقه الإسلامي.

وتتضح عناية سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - بهذا الفرع من فروع السنة النبوية في جانبين مهمين، هما:
الجانب الأول: في مراحله الأولى في طلب العلم، وتلقيه على مشايخه، حيث حفظ الشيخ وقرأ متن "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، للحافظ ابن حجر - حيث لخصها وحررها الحافظُ من مقدمة ابن الصلاح الشهيرة، التي لا يُحصى كم ناظم لها ومختصر - وهكذا كانت عناية طلاب العلم في فن المصطلح بقراءة "النخبة"، قراءةَ حفظٍ لألفاظها، وفهْمٍ لمعانيها، وإدراكًا لمقاصدها، وقرأ شرح الحافظ نفسه على متن النخبة، المسمى "نزهة النظر شرح نخبة الفكر".

كما سمع الشيخ شرح الحافظ ابن كثير على مقدمة ابن الصلاح المسمى "الباعث الحثيث"، واعتنى - رحمه الله - بالألفية في مصطلح الحديث، للحافظ عبدالرحيم العراقي، فحفظها نظمًا، وتفهمها لفظًا، حيث كنت أسمعه يتمثَّل بها استشهادًا عند مناسبتها.

الجانب الثاني: في مرحلة بذل العلم بتعليمه، وعقد الدروس العلمية المرتبة لطلاب العلم، ونال علم المصطلح من ذلك حظه اللائق به من بين أنواع العلوم التي كان سماحة الشيخ يقررها على الطلبة.

فرتب دروسًا كثيرة في تدريس "نخبة الفكر"، وأحيانًا بالقراءة فيها مع شرحها "نزهة النظر شرح نخبة الفِكَر".

كما درَّس نظم البيقونية، ويرى سماحته فيه أنه نظم مختصر جدًّا لا يفي بالمقصود، وأن عناية طالب العلم بالنخبة أنفع له، وأرجى لفائدته.

وبالنسبة إلى "ألفية الحديث" للحافظ العراقي، فكان سماحته يميِّزها على ألفية الجلال السيوطي 911هـ، ويفضلها عليها، مع قوله: فيهما الفائدة الجليلة لطالب هذا الفن.

وفي هذا الصدد أسوق نماذجَ تطبيقيةً من عناية الشيخ بأصول الحديث "المصطلح" علمًا وتطبيقًا في كتبه، ورسائله، ومقالاته:
- ففي بيان المتواتر ووجوب العلم به، قال سماحته حول بيان هيئة كبار العلماء في مجرمي حادثة الحرم، حول الأدلة على خروج المهدي في آخر الزمان: "أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين، فهو قول باطل؛ لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت جورًا - قد تواترت تواترًا معنويًّا، وكثرت جدًّا، واستفاضت كما صرَّح بذلك جماعة من العلماء، منهم أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني، والعلامة الشوكاني، وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم". ا.هـ[29].

- وقال - رحمه الله - تعليقًا على محاضرة حول عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر: "فإن المقبول عندهم أربعة أقسام: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، هذا ما عدا المتواتر.

أما المتواتر، فكله مقبول، سواء كان تواترًا لفظيًّا أو معنويًّا، فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة تواترًا معنويًّا، فتُقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها، وكثرة طرقها وتعدد مخارجها، ونصَّ أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها". ا. هـ[30].

- وقال سماحته - رحمه الله - في معرض مناقشته ابن حزم - رحمه الله - في حديث المعازف: ((ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف))؛ الذي رواه البخاري عن أبي عامر - رضي الله عنه - وأبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -: "وقد أخطا ابن حزم في ذلك، وأنكر عليه أهل العلم هذا القول، وخطَّؤوه فيه؛ لأن هشامًا من شيوخ البخاري، وقد علقه عنه جازمًا به، وما كان كذلك، فهو صحيح عنده، وقد قبل منه أهل العلم ذلك، وصححوا ما علقه جازمًا به إلى من علقه عنه، وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلقة الصحيحة.

ولعل البخاري لم يصرح بسماعه منه؛ لكونه رواه عنه بالإجازة، أو في معرض المذاكرة، أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصارًا، أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف، وعلى فرض انقطاعه بين البخاري وهشام، فقد رواه عنه غيره متصلاً عن هشام بن عمار... إلخ، بأسانيد صحيحة". ا. هـ[31].

- وتعقب الشيخُ الحافظَ ابن حجر في ذكر مراتب رجال "التقريب" في المرتبة السابعة: "من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثَّق"؛ حيث علَّق الشيخ بقوله: "هذا يدل على أن صاحب المرتبة السادسة لا يكون مقبولاً، إلا إذا كان قد وثقه بعض الأئمة، وإلا لم يكن بينه وبين صاحب السابعة فَرقٌ، ويغلب على ظني أني قد وقفت على نسخة من هذا الكتاب ذكر فيها أصحاب المرتبة السادسة ما نصُّه: "وقد وثقه"؛ فليحرر، قاله الفقير إلى عفو ربه عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، حُرر في 13/3/1400هـ". ا. هـ[32].

المبحث السادس: عناية الشيخ ابن باز برجال الحديث:
وهذه العناية مظهر جليٌّ يظهر الاهتمام والحفاوة من العالِم بعلم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لا يبرز لهذا الفن - العلم برجال الحديث ورواته - إلا مَن تعلق بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته، وتنقيتها، بتميز الصحيح المقبول، من الضعيف والمردود منها، ولا يتأتى هذا بحال إلا بنقد رواة الحديث وتمييزهم؛ فإن معرفة أحوال الرواة صحة وضعفًا، وجرحًا وتعديلاً وعدالة، سببٌ لقبول روايتهم واعتبارها.

ولهذا اعتنى علماء الإسلام بهذا الفن، وتميزوا به عن غيرهم من أتباع الملل والديانات الأخرى، فتأسَّى سماحة الشيخ بهؤلاء العلماء النقاد، وتأثر بهم،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eltwhed.yoo7.com
 
علامة باركود اهتمام سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز بالحديث النبوي وأثره في العقيدة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التوحيد :: منبر العلماء و الدعاة :: مقالات العلماء-
انتقل الى: