الرئيسيةاليوميةبحـثالأعضاءالمجموعاتدخولالتسجيل

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الشيخ الفوزان في مقال جديد: الحجاب للمرأة أمر شرعي أمر الله به ورسوله.
الجمعة 18 مايو - 12:00 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» اتّباع بلاد الحرمين ملة الغربيين يرضيهم وما سواه يعجبهم ولا يكفيهم
الثلاثاء 20 مارس - 11:04 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» منكرات في الحفل الأخير لخريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة
الثلاثاء 20 مارس - 1:20 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» قسم المتون العلمية
الجمعة 16 مارس - 10:58 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» موقع المتون العلمية
الجمعة 16 مارس - 10:55 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية - الإصدار الرابع [محدث]
الجمعة 16 مارس - 10:48 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» أنواع الشرك
الجمعة 16 مارس - 3:07 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» أنواع الكفر
الجمعة 16 مارس - 3:03 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» حكم تشريع القوانين الوضعية ورأي الشيخ ابن عثيمين في ذلك
الخميس 15 مارس - 2:12 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

» العولمة ومصادر التشريع وأثره في وحدة الأمة الشيخ ⁧‫صالح آل الشيخ
الخميس 15 مارس - 1:25 من طرف أبو عبد الله عبد الكريم

المواضيع الأكثر نشاطاً
بطاقات وعظية
مطوية (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ)
مطوية (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)
مطوية_فضائل العشر من ذي الحجة وتنبيهات حول أحكام الأضحية والذكاة
مطوية ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي )
حكم الاشتراك في ثمن الشاة الأضحية بين الأخوة الأشقاء
موقع الجماعة المؤمنة أنصار الله
مطوية (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
مطوية ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)
مطوية ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)






شاطر | 
 

 وسط بين طرفين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو عبد الله عبد الكريم
أبو عبد الله
أبو عبد الله


عدد المساهمات : 1908
نقاط : 5997
تاريخ التسجيل : 14/03/2011
العمر : 40
الموقع : منتدى أنصار الحق

مُساهمةموضوع: وسط بين طرفين   الأربعاء 17 أكتوبر - 23:43

بسم الله الرحمن الرحيم


وسط بين طرفين


من خصائص هذا الدين الحنيف أنه رباني المنهج ، رباني الغاية ، وأن هذا الدين إنسـاني الطابع شامل لكل مكان وكل زمان وصالح لكل مكان وكل زمان . وأن هذا الدين واضح لا لبس ولا غموض فيه وأنه يجمع بشكل معجِز بين الثبات والتطور .
وحقيقة هذه الشريعة أنها وسطية في كل نواحي الحياة ومجالاتها ونعني بالوسطية التوسط والعدل في أطراف الأمور بحيث لا ينفرد أحدهما في التأثير ويطرد الطرف الآخر ، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه ويطغى على الطرف الآخر أو يحيف عليه ، فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير ولا طغيان ولا حيف ولا شطط ولا وكس، بل كلٌ يأخذ حقه بالقسطاس المستقيم.
حقيقة هذه الشريعة أنها وسط بين المادية المقيتة والروحية الحالمة، بين الواقعية المرة والمثالية الخيالية ، بين الفردية الطاغية والجماعية الساحقة ، بين الثبات الرتيب والتغير المضطرب ، بين الحاجات الملحة والقيم البعيدة ، بين العقلانية الباردة والعاطفية المتقدة ، بين نوازع الجسد ومتطلبات الروح .
حقيقة هذه الشريعة تعني الخيرية والفضل والتميز في الأمور المادية والمعنوية ، فأفضل حبات العقد في واسطته، والتوسط خير من التطرف، ومن حكم العرب \"خير الأمور الوسط \" . قال أحد الحكماء : الفضيلة وسط بين رذيلتين . وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } : الوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال قريش أوسط العرب نسباً، أي خيرها ، وكان عليه الصلاة والسلام وسطاً في قومه أي أشرفهم نسباً ، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات.
هذه الحقيقة تمنح أهلها الأمان وتبعدهم عن الخطر بإذن الله . فالأطراف عادة تتعرض للخطر والفساد بخلاف الوسط فهو محمي محروس بما حوله .
كما أنها من أسباب الأمن والاستقرار ، أما التطرف فخوف واضطراب وغلو وانحراف وفساد .
والوسطية قوة ، فالوسط هو مركز القوة ، وأشعة الشمس أشد ما تكون تأثيراً وإضاءة وحرارة وسط النهار ، والإنسان يكون في أشد قوته وهو في شبابه وهو وسط بين ضعف الطفولة وعجز الشيخوخة.
والوسطية هي نقطة الوحدة ومركز التلاقي ، فقد تتعدد الأطراف تعدداً قد لا يتناهى ولكن يبقى الوسط واحداً . فالتوسط والاعتدال هو طريق الوحدة الفكرية ومركزها، ولهذا تثير الأفكار المتطرفة من الفرقة والخلاف والضعف في أبناء الأمة ما لا يقدر أعداؤها على فعله بها.
وبرغم من انتشار أفكار الغلو والتشدد وما قابلها من أفكارٍ تدعو إلى تمييع الدين والتساهل بثوابت الشريعة ، فإن حقيقة هذا الدين تبقى كجبل أبى بشموخه أن يناطحه فكر متسيب ، أو فهم متنطع بقرون واهية ومخالب مقصوصة .
وتبقى حقيقة هذا الدين كبحر حالَ اتساعُه دون أن يحصره متهور أو متخاذل في قربة ضيقة.
وتبقى حقيقة هذا الدين كفضاء رحب مَنَعَ مَن ضاق أفقه وتحجر فهمه مِن أن يختزله في غرفة صغيرة .
هذه الحقيقة شجرة طيبة أصلها ثابت في الأرض وأغصانها منتشرة في السماء، فأنى لهبةِ ريحٍ أو هزةِ عاصفةٍ أن تقتلع جذورها الراسخة رسوخ الجبال ؟.{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها}.
إن حال الناس اتجاه هذه الحقيقة على طرفي النقيض : فالبعض خاضوا صراعات معها باسم الإصلاح ، وآخرون فتحوا جبهة مخترقة باسم الدعوة .
ولستُ أجدُ وصفاً لهؤلاء وهؤلاء أبلغ من قول الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه حين قام ينصح بعض المنحرفين فاعتذروا بقولهم : ما أردنا إلا الخير ، فقال لهم قولاً مليئاً بالحكمة وعمق البصيرة ورجاحة العقل: (كم من مريد للخير لم يصبه ).
وما هذا الإفراط والتفريط إلا من كيد إبليس ؛ فإنه يتتبع النفس ويَشُمُّها حتى يعلم أي المحبتين تغلب عليها : محبة الدين أم محبة الدنيا، فإن رأى أن الغالب عليها حب الدنيا والشهوات والإخلاد إلى الأرض زاد في إضعافها وثقّلها عن الواجب وزين لها الشهوات ، حتى تترك دينها كله أو تقصر فيه وتتهاون به. وإن رأى أن الغالب عليها حب الدين والحرص على الخير وسوس لصاحبها أن العدل والوسط قليل ولا بد من التشدد ، حتى يوقعه في التنطع والغلو .
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: ( ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى غلو، وإما إلى تقصير، والحق وسط بين ذلك).
وأكثر الناس قد أخذوا في هذين الواديين وادي التقصير ووادي التعدي والمجاوزة، والقليل منهم من ثبت على حقيقة الدين والصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .
تجاوز قوم الحد ؛ فتشددوا وتنطعوا في الدين ، وقصَّر آخرون فأعرضوا عن تزكية أنفسهم حتى أظهروا القبائح وتجاهروا بالفسق دون حياء أو خوف .{قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.
العسر والتنطّع ليس من سمات هذه الشريعة تماماً كما أن التساهل والتميع ليس من سماتها .وكثيراً ما يدعو إلى هذا وذاك قلةُ الفقه في الدين، والجهلُ بمقاصد الشرع وأصول الملة . وحقٌ على أهل الإسلام أن يسلكوا مسالك التوسط والتيسير في الأمر كلّه، لكن بلا مداهنة ولا مجاملة ولا مجافاة للحق .عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:\" لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات \".
إن هذه الشريعة رخصة بعد عزيمة، ولين من غير شدّة، ويسرٌ من غير عسر، ورفع للحرج والآصار والأغلال { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} ، {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً }.
ولقد فهم البعض من القول بيسر الشريعة وتحذيرها من التشديد أنه دعوة إلى التساهل في أمور الدين عقيدةً وأحكاماً وأخلاقاً، أو ترغيباً في التنصل من أحكام الإسلام والضعف في التمسك بالدين. ولا ريب في أن هؤلاء في شطط وبعد عن الحقيقة .
فليس من التيسير التساهل بالأحكام الشرعية والأوامر الربانية ، وليس من التيسير التهاون بالموبقات المهلكات، وليس من التيسير التنكر للفضائل وأصول الأخلاق ، وليس من التيسير الإهمال في تربية البنين والبنات، وتركهم نهباً لزيغ العقائد وتيارات الإنحراف والبعد عن الالتزام بأحكام الإسلام والحفاظِ عليهم من دواعي الفجور بحجة التحضّر والبعد عن التعقيد وتغيّر الزمان.
إن الحقيقة التي نتحدث عنها كانت وستبقى سمة بارزةً وميزةً ظاهرةً وحقيقة راسخة كانت سبباً في تبوّؤ هذه الأمة مكانتها المرموقة بين الأمم، ومنحِها مؤهلات القيادة والريادة للبشرية، ومقومات الشهادة على الناس كافة. إنها حقيقة الاعتدال والوسطية التي تُجَلّي صور سماحة الإسلام ، وتبرز محاسنه ورعايته للمثل الأخلاقية العليا والقيم الإنسانية الكبرى { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : ( إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الوسط العدل الآخذِ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملةً على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحاً، ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقِل الذي يُلجأ إليه). ويقول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله : (الأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة ، مع الاعتقاد المتوسط بين الغلو والتقصير) .
وسطية الشريعة الإسلامية وحقيقتها تختلف بشكل جذري عن النظريات المادية أو الفلسفية التأملية ، منطَلَقاً ومبدأ، فهي تنطلق من مبدأ خُلُقي مسدَّدٍ بالوحي مصحَّحٍ بهدي النبوة ، لا من مبادئ خاضعة لتأملات عقلية إنسانية عبثت بها ذات اليمين وذات الشمال.
وفى هذه الوسطية الإسلامية التقت الثنائية المعقدة ( المادية والروحانية ) { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا }، ولطالما نُظِر إلى هذه الثنائية على أنها ثنائية حادة شديدة التضاد ، لا يمكن اجتماعها ولا تجاورها لا عقلًا ولا اعتقاداً، بل طالما لعب التناقض في هذه الثنائية دوراً فعالاً في تشكيل حضارات كاملة بصورة معينة .
صور من الصراع مع الحقيقة :
من الصراع مع الحقيقة في باب المعتقد أن أقواماً ينادون بالإلحاد والإعراض عن التدين بالكلية . وتشدد آخرون وتعمقوا حتى غرقوا في الوثنية .
ولكن حقيقة هذه الرسالة الخاتمة أنها تدعو إلى الإيمان بالله، ووحدانيته، وتنزيهه، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة بعبودية خالصة لله في الربوبية والألوهية.{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } .
فلا إفراط فيه، ولا تفريط، ولا غلو، ولا تقصير، فلم يصف المسلمون اللـه بأوصاف لا تليق به، كما فعلت اليهود، حين وصفوه بالفقر، وبأن يده مغلولة.
ولم تضل أمة الإسلام كما ضلت النصارى، الذين شبهوا المخلوق بالخالق، وأضفوا على عيسى عليه السلام خصائص الألوهية، فغلوا فيه، وجعلوه شريكاً لله.
وعقيدة الإسلام وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده أداة لمعرفة حقائق الوجود وبين الذين لا يؤمنون إلا عن طريق الإلهام أو الأوهام ولا يعترفون للعقل بدور في نفي أو إثبات .
فالإسلام يقرر أن الدين وحي ونقل ، وبما أن أخطر ما في النقل صحته فللعقل مهمتان حيال النقل ، مهمة إثبات صحة النقل ومهمة فهم النقل تمهيداً لتطبيقه . فبالعقل تصل إلى الإيمان بالله يقيناً بمشاهدة آياته الشرعية والكونية وبالعقل تؤمن بكتابه يقيناً بتأمل إعجازه وبلاغته التي بهرت الفصحاء والبلغاء من العرب ولا زالت معجزة تتحدى إلى يوم القيامة ، وهنا ينتهي دور العقل في البحث ليبدأ دوره في التلقي إثباتاً وفهماً فالحقائق التي عجز العقل عن إدراكها لافتقارها إلى آثار تدل عليها يتلقاها العقل عن الوحي دون أن يكون حكماً عليها، وهذه هي حقيقة الإسلام في منهج التلقي .
وفي مسألة الإيمان بأنبياء الله صارع قوم الحقيقة ، فتنقصوهم وقتلوهم كما فعلت اليهود { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون } .
وآخرون غلوا في بعضهم وجحدوا البعض ، كما فعلت النصارى مع عيسى ابن مريم عليه السلام فجعلوه رباً يعبد من دون الله ، وكما جحدوا نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم رغم قيام أعظم الحجة وأقوى البرهان عليهم .
أما الحقيقة ، فهي أن أهل الإسلام يؤمنون بالأنبياء بهم جميعاً، ولا نفرق بين أحد منهم ونقدرهم حق قدرهم. قال صلى الله عليه وسلم : \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللـه ورسوله\" رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللـه تعالى: ( فالمسلمون وسط في أنبياء اللـه وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللـه ... ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق. ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المنهاج، فلم يقولوا:هو اللـه، ولا ابن اللـه، ولا ثالث ثلاثة، كما تقول النصارى، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه ولد بغية، كما زعمت اليهود، بل قالوا:هو عبد اللـه وكلمته ألقاها إلى مريم.. وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين اللـه ).
وصراع آخر مع الحقيقة في مسألة الإيمان ؛ ففريق جفا وتساهل بالإيمان حتى انسلخ من دينه شيئاً فشيئاً . وفريق غلا وتشدد حتى كفر مرتكب المعصية .
وأما أهل الحقيقة فقد برزت الوسطية في هذا باب عندهم واضحة جلية . فالإيمان عندهم وسطٌ بين من جَفَوْا فلم يتعاهدوا إيمانهم وتساهلوا بدينهم وأعرضوا عن عبادة ربهم، وبين من غلَوا فأخرجوا من دائرة الإيمان من عمل بعض المعاصي. والبعض كفروا بالكبيرة ، وأهل الحق لا يكفِّرون بالذنوب ما لم تُستحلّ، كما لم يجعلوا المذنب كامل الإيمان ، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
ومن الصراع مع الحقيقة في مسألة البراء : أن البعض يتنكَّر لهذا الأصل العظيم ويدعو إلى الذوبان والتبعية وتقليد كل ما مستورد دون تمسك بثوابت ولا اعتراف بأصول ولا خصوصية لاهثاً خلف كل دخيل {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير}.
وآخرون تشددوا فوقعوا باسم البراء في التعدي ومجاوزة الحد فظلموا من لا ذنب له واستحلوا دماء معصومة .
والحقيقة أنه ليس كل كافر مباح الدم والعرض والمال ، فالشريعة لم تبح سوى دم الكافر الحربي الذي يقاتل المسلمين ويظاهر على حربهم وعداوتهم {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.
أما المعاهدين والمستأمنين الذين دخلوا بلاد المسلمين بعهد وأمان فلا يجوز بحال من الأحوال قتلهم أو الغدر بهم . عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:\" من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة،وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً\"رواه البخاري.
وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً\". رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( جاءت شريعتنا الغراء بالتحذير الشديد من قتل المعاهد والذمي، وهو كلّ من له عهد مع المسلمين بعقد جزية أو هدنة من حاكم أو أمان من مسلم ). ( الفتح 12 / 259 ) .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون}.
وفي مسألة الغرائز والشهوات ، تنطع وتشدد غلاة المثاليين الذين تصوروا الإنسان تصوراً مثالياً فجعلوه كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ، وتساهل غلاة الواقعيين الذين أنزلوا الإنسان إلى دركات الحيوانية لا يعيش إلا لشهوته ولا يهتم إلا بغريزته .
ولكن الحقيقة وسط بين هؤلاء وهؤلاء ، فقد اعتبرت هذه الشريعة الإنسان مركباً من عقل وشهوة ، فإن قاده عقله للإيمان بربه وضبط شهوته وإعمار الأرض وفق ما شرع خالقه سما حتى تجاوز في سموه الملائكة المقربين ، وإن عطل عقله أو أساء استخدامه فنسي سر وجوده و جهل الحكمة من خلقه وتحكمت به شهواته ونزواته سقط حتى صار أدنى من الحيوان .
وشهدت هذه الحقيقة صراعاً من وجه آخر ، حيث أن أقواماً أعرضوا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح وتلبية الغرائز بالطرق المباحة ، بينما تجاوز آخرون وتهاونوا بالأعراض فارتكبوا الزنا واللواط.لكن هذه الملة السمحة راعت مقتضيات الفطرة وحققت الانسجام الكامل بين متطلبات الروح والجسد، بلا غلو في التجرّد الروحي، ولا ارتكاس في الدرَك المادي، فلا رهبانية ولا مادية، بل تناسق واعتدال ، بنور من قوله تعالى {وَٱبْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا }.
لقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه التبتل ، وأنكر صلى الله عليه وسلم على من حرَّم نفسه طيبات الدنيا قائلاً: \" أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\". رواه البخاري ومسلم .
كما حذَّر تعالى من الزنى وإطلاق العنان للشهوات والنزوات.قال تعالى { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا}وقال صلى الله عليه وسلم :\" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن \". رواه البخاري ومسلم وأبو داود .
الإسلام دين الفطرة ودين الوسطية ، وما من شهوةٍ أودعها الله فيه إلا فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها . وإن الأمم التي ضلت وانحرفت عن هذه الشريعة عادت الآن لتطبق دين الله لا عن إيمان وقناعة ولكن بضغط من الواقع وتحقيق مصالحها .
الاتحاد السوفيتي منع الخمر قبل أن ينهار ، وبعض الجامعات في أمريكا منعت الاختلاط ، لأنهم وجدوا أن عدد اللقطاء في الحدائق أصبح ظاهرة منتشرة ، والشرطة البريطانية أصدر كتيباً تنصح فيه النساء الإنكليزيات بالحجاب إذا أردن التخلص من تحرش الرجال بهن.
إن حقيقة هذه الشريعة أنها تنأى بأهلها عن كل الكبوات والنبوات والهزات والهفوات التي تُخِلُّ بغاية وجود الإنسان ، وتضيِّع حقوق البشر، وتفرط في تحقيق التوازن بين متطلبات الروح والجسد ، حيث تأرجحت كثير من النظم المادية ــ كما هو ظاهر معلوم في المدنية الغربية التي تنطلق من نظرات ومقتضيات مادية صِرفة ، حتى تنادى عقلاؤهم ومنصفوهم بالحاجة إلى منهج يحقق التوازن بين الرغبات والتناسق بين المتطلبات ، ويرتفع بالبشرية إلى مستوى إنسانيتها وتحقيق قيمها ومثلها، وينتشلها مما تعاني منه من بؤس وطغيان وشقاء. ولن يجدوا ذلك إلا في هذه الشريعة الربانية الخالدة .
وشهدت مسألة النظرة إلى الحياة الدنيا والاستمتاع بما أحل الله من الطيبات صراعاً وتطرفاً . فهناك المتساهلون المتكالبون الذين عدُّوا الحياة الدنيا كل شيء وقالوا { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } فعبدوا شهواتهم ومصالحهم المادية . وهناك المتنطعون الذين عدُّوا وجودهم في الدنيا شراً فانسحبوا من الحياة وحرموا أنفسهم من زينتها المشروعة.
ولكن حقيقة هذه الشريعة أنها وسط في نظرتها إلى الحياة الدنيا وزينتها ، فقد جعل الإسلام الحياة في الدارين متكاملة ، فالأولى مطية للثانية .
فالمسلمون وسط في حياتهم العملية، يدخلون في الإسلام كله ويجمعون الدين كله: فمنهم من يلي القضاء، ومنهم من يلي الوظائف الكبيرة ، ونهم من هو صاحب مال وسعة وفضل، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الكاملة، فقد كان فيهم أهل الثراء والغنى ، كما كان فيهم أيضاً أهل الفاقة والفقر، وأهل الصبر والزهد، وكان فيهم أهل العبادة والذكر، كما كان فيهم أهل الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... .
و أما مَنْ بعدهم، فحصل عندهم الاضطراب في ذلك: فبعضهم مال إلى الدنيا وركَنَ إليها ولم يتحرَّز في قبول أي ولاية، أو منصب، فتوسعوا في ذلك توسعاً أخرجهم عما كان عليه السلف...ومنهم طائفة مالت إلى العكس، فأخذوا بالزهد وتركوا متاع الحياة الدنيا، حتى أنهم حرموا الطيبات، أو نظروا إلى من يأخذ شيئاً من الطيبات بأنه خارج عن الصواب وعن إصابة الحق.
وتوسط أهل الحقيقة وكان حالهم حال نبيهم الذي أخبر عنه أنس بن مالك رضي الله عنه بقوله:\" كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ \".
فالإسلام يحقق توازناً بين الروحية والمادية وهو وسط بينهما ، بين الدين والدنيا ، بين القيم والحاجات، بين الغريزة والعقل ، الإسلام جعل الإنسان كما أراده الله عز وجل ليس الذي ينقطع عن العالم وينسحب من الحياة ويتفرغ للعبادة ويتبتل فلا يعمل ، ويتقشف فلا يتمتع ويتبتل فلا يتزوج ويتعبد فلا يفتر ؛ ليله قيام ونهاره صيام ، يده من الدنيا صفر وحظه من الحياة خبز الشعير ولبس المرقع ليس هذا هو الإنسان الذي أراده الله ، كما أنه ليس كصاحب الجنتين يفخر على صاحبه بثروته مختالاً بجنته قائلاً أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً فأحاط الله بثمره ، وليس كقارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، فبغى على قومه واغتر بماله وعزا الفضل إلى نفسه وقال { إنما أوتيته على علم عندي }، فخسف الله به وبداره الأرض .
المسلم المتمسك بالحقيقة ليس هذا ولا ذاك بل مزدوج الطبيعة يقوم كيانه على قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله
فهو بعنصره الطيني المادي قادر على أن يسعى في الأرض وعلى أن يعمرها وعلى أن يكتشف ما أودع الله فيها من كنوز ونعم وعلى أن يسخر قواها لمنفعته والنهوض بمهمته ، وهو بعنصره الروحي مهيأ للتحليق في أفق أعلى والتطلع إلى عالم أرقى والسعي إلى حياة هي خير وأبقى ، وبهذا يُسخِّر المسلم المادة ولا تسخره ويستخدم ما على الأرض من ثروات وخيرات دون أن تستخدمه ودون أن تستعبده { يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } .
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : \" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر \" .
وفيما يتعلق بالمرأة ، جاءت هذه الشريعة الغراء والمرأة مظلومة بين جاهليتين ، فكرَّمتها وحفظت حقوقها، وأكّدت على مكانتها وعِظم منزلتها، وجعلتها مرفوعةَ الرأس، عاليةَ المكانة، مرموقةَ القدْر، لها الاعتبارُ الأسمى والمقامُ الأعلى، تتمتّع بشخصيةٍ محترمة وحقوقٍ مقرّرة وواجبات معتبرة. نظرت إليها على أنها شقيقةُ الرجل، خُلِقا من أصل واحد، ليسعدَ كلٌّ بالآخر ويأنس به في هذه الحياة، في محيط خيرٍ وصلاح وسعادة، قال صلى الله عليه وسلم :\"إنما النساء شقائق الرجال\" . رواه أحمد وأبو داود والترمذي .
كما سمت بها أن تكون أجيرة مستعبدة تُعامَل كسِقط المتاع ، فإنها صانتها من الوقوع في مستنقعات الرذيلة، وكفلت لها حريتها الشرعية، ونأت بها عن مسالك التحرر من القيم والهبوط إلى براثن الإباحية والانحلال ، والانسلاخ من الفضائل وسلوك مسالك التبرج والسفور والاختلاط المحرم ... إلى غير ذلك من الدعوات التي تنطلق من مبادئَ مُهلكةٍ ومقاييسَ فاسدة منتنة ، تزيِّن الشرورَ والفساد بأسماء برّاقة ومصطلحات خادعة.
وصراع مع الحقيقة من حرم المرأة من آدميتها وإنسانيتها وحقوقها المشروعة وجعلها كالحيوان ، ومثله مَن أرادها أن تتحرر من عفتها وتنزل من عليائها .
تقول إحدى الصحفيات الأمريكيات بعد زيارة لها إلى القاهرة أمضت فيها أسابيع عدة: ( إن المجتمع العربي كامل وسليم ، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي، فعندكم أخلاق موروثة تحتم تقييد المرأة وتحتم احترام الأم والأب وتحتم أكثر من ذلك عدم الإباحية الغربية التي تهدم اليوم المجتمع والأسر في أوروبا وأمريكا، امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعًا معقدًا مليئًا بكل صور الإباحية والخلاعة, وإن ضحايا الاختلاط والحرية يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات للمخدرات والرقيق).
ومن الصراع مع الحقيقة ما ينادي به البعض من المساواة المطلقة بين المرأة والرجل . فلقد كانت هذه الدعوى رأس وأساس كل الأخطاء والانحرافات التي حدثت للمرأة، سواء في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أو المجتمعات الغربية .
لقد خلق الله هذا الكون سويًا صحيحًا سديداً، لم يقمه على منهج المساواة المطلقة بين المخلوقات: فالله جلت قدرته لم يجعل الإنسان كالحيوان، بل فضل الإنسان بالعقل والفكر.كما أنه سبحانه لم يجعل السماء مساوية للأرض، ولا القمر مساويًا للشمس. وحتى المخلوقات من نوع واحد والتي قامت على منهج الزوجية في خلق الله لها{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإن لكل منها في أصل الفطرة الخلقية مهمة محددة، اختلفت عن مهمة الزوج الآخر وإلا كان خلق زوجين من نوع واحد متساوين متطابقين تمامًا في كل شيء تكراراً وعبثًا جل الله الخالق أن يفعله، ولو كان الأمر كما يريد دعاة المساواة لما احتاج الحال إلى وجود مخلوق اسمه الرجل، ومخلوق اسمه المرأة، ولأصبح المخلوقان شيئًا واحدًا باسم واحد وخلق واحد بدون أي فوارق.
أما وأن أمر الخلق خلاف ذلك في كل الأزواج، فقد كان لكل واحد من الزوجين مهمة، اقتضت وجود سمات خَلقية، تميزه عن زوجه وتسهل عليه القيام بالمهمة على أكمل وجه، وذلك هو العدل الإلهي، حيث لا يوصف بالمساواة المطلقة بل بالعدالة المطلقة التي سهلت لكل زوج عمله ووهبته ما يحقق به كيانه، من قدرات وأوضاع خلقية يمكنها التكيف مع الواقع.
إضافة إلى ما سبق نقول : إنه رغم ذلك الاختلاف بين الزوجين [المرأة والرجل]؛ في المهمة وفي بعض التركيبات العضوية، فإن الأصل واحد، والاشتراك في الإنسانية ثابت، وبناء عليه فإن الله وهو الأعلم بمن خلق وما يصلح لهذا الخلق ، بيَّن أين تكون المساواة بين الزوجين، وأين تكمن الفوارق؟
فالمرأة والرجل في التكليف الشرعي سواء .
المرأة والرجل متساويان في جزاء العمل {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}.
وهما سواء في حق التصرف بأموالهما وملكية الأشياء وحق الاستثمار والتقاضي والمتابعة.
وفيما عدا هذه القضايا وغيرها كانت للفروق الفطرية مداخلات في توجهات وعمل كل من الزوجين، وهذا الوضع أوجده الله لمصلحة الطرفين ، وليس لكبت أحدهما لحساب الآخر، أو من أجل طغيان طرف على طرف. لا بل من أجل أن تكتمل صورة الحياة، وتقوم سوية غير مشوهة ولا ناقصة ، فإذا حل أحد الزوجين مكان الآخر رجلاً كان أو امرأة، اختل ميزان الحياة، وخرج عن الطريق السوي السديد.
إن فكرة المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وعدم مراعاة المنهج الإسلامي، الذي هو منهج الوسطية والاعتدال والتوازن، أدى إلى فوضى عارمة في المجتمعات الغربية، أصبحت واضحة بينة، إلى درجة أنها غدت مشكلة كبيرة هناك، أخذت ناصية المجتمعات نحو التدهور وانهار الكيان الأسري، مما حدا بكثير من المفكرين وأصحاب الرأي إلى الصراخ والإنذار وإطلاق صيحات الخوف على مصير حضارتهم بأكمله .
ولا غرابة ولا عجب فهذه عقوبة الخروج عن الفطرة القويمة، التي تقع في لب الاعتدال والوسطية، فتؤتي أكلها ثمرًا طيبًا، يسوي بين الأزواج فيما يتساوون فيه فطرة ، ويوزع عليهم الاختصاصات حسب الفروق وأصل الخلقة وفي حدود التأهل والإمكان، دون اعتداء أو شذوذ سمي في حضارة العصر الغربية زورًا وبهتانًا [بالحرية] وكان أحرى أن يُسمَّى فوضوية وشذوذًا .
لا تغل في شيء من الأمر واقتصد كِلا طرفي قصد الأمور ذميم
وفي النظام الاقتصادي جاءت الرأسمالية التي ترعى الفرد وتقدس حقوقه ولو على حساب الجماعة ، وعلى الطرف الآخر كانت الاشتراكية التي تلغي حقوق الأفراد وتملُّكَهم بحجة مصلحة الجماعة.
وتجلَّت حقيقة هذه الشريعة الخالدة في الموازنة بين حرية الفرد وحق المجتمع، فهي تحترم الملكية الفردية وتقرها ، ولكن هذبتها بحيث لا تضر بمصلحة المجتمع . فبالإسلام تلتقي الفردية والجماعية في صورة متزنة متناسقة تتكافأ فيها الحقوق والواجبات وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم .
لقد خلق الله الإنسان على طبيعة مزدوجة فردية واجتماعية في آن واحد، فالفردية جزء أصيل في كيان الإنسان ولهذا يحب الإنسان وجوده وسلامة وجوده وكمال وجوده واستمرار وجوده ، ومع ذلك نرى فيه نزعة فطرية إلى الاجتماع بغيره لذلك تضطرب نفسه ويختل توازنه لو عزل نفسه عن المجتمع أو عزل مقهوراً بالحبس الانفرادي ،
ولذا فقد أنزل الخالق الحكيم من الأحكام والنظم ما لا يعطل هذه فطرة الإنسان أو يصادمها ، وجعل نظاماً كاملاً يرعى هذين الجانبين الفردية والجماعية فلا يطغى أحدهما على الآخر . ولذلك فلا عجب أن يكون الإسلام وهو دين الفطرة نظاماً وسطاً عدلاً فلا يجور على الفرد لحساب المجتمع ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد ولا يرفه الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه من دون حرج ولاعنت.
وفي مجال حرية الرأي والفكر والسلوك وغيرها، نجد أن هذه الشريعة أباحتها ولم تمنعها بل جعلت لها ضوابط بحيث تكون ضمن دائرة المشروع ومجانبة المحذور الممنوع .فلا إباحية فيما يكتب ولا إلحاد فيما ينشر ولا تمرد في السلوك على ضوابط الشريعة وقواعد الأخلاق والآداب العامة .
وفي النظام السياسي ترسمت هذه الرسالة الخالدة الوسطية بين النظم، مبيِّنةً حقوق الراعي والرعية، حاضةً على العدل والقسط، معليةً قيم الحق والأمن والسلام والسمع والطاعة بالمعروف، محققةً المنهج الشوري المتكامل .
وهي بهذه الحقيقة تجنبت شقي التطرف :
ــ الشعارات والديمقراطيات المعاصرة التي يشوبها الاضطراب والفوضى .
ــ كما اجتنبت الدكتاتورية في الحكم والاستبداد في الرأي .
{ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } .
الشورى فرع عن التوحيد وهو أن المشرِّع هو الله عز وجل .
أما الديموقراطية فإنها فرع عن أصل يقرر أن التشريع للبشر وليس لله تعالى .
وإن مما يؤسف له أنه ينازع في هذه الحقيقة باسم الديموقراطية من يريد الفوضى بالعباد وخراب البلاد .
إن الإصرار على مصارعة الحقيقة والتزام التطرف بشقيه في الغلو والتفريط ؛ تجديف في مواجهة الأمواج وسير في عكس اتجاه الريح ومخالفة للفطرة والسنن، ولو لم يكن في ذلك إلا نزع الرحمة التي هي صورة من كمال الفطرة وجمال الخلُق لكفى بهذا الصراع ذماً وبغضاً.
الرحمة تحمل صاحبها على البر، بها تطيب الحياة وتأنس الأفئدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله \" رواه البخاري ومسلم، ورواه أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وزاد : \" ومن لا يغفر لا يُغفر له \". ، وفي الحديث: \" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى \". رواه البخاري ومسلم .
وربنا سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، وخير الراحمين، وسعت رحمته كل شيء، وعمّ بها كل حي {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } . وفي الحديث القدسي:\" إن رحمتي تغلب غضبي \". رواه البخاري ومسلم .
فما أشد افتقار الناس إلى التخلق بالرحمة التي تضمّد جراح المنكوبين، وتقبل توبة المخطئين وتستر على المذنبين وتفتح لهم باب الرجوع والإنابة ... لا ذلك التشنج الذي لا يلذُّ إلا بالفضيحة وسوء الظن وهتك الستر وإفشاء السر .
والعجيب أنه باسم الرحمة صارع أقوام الحقيقة ، فتنكروا لإقامة حدود الله ، والأخذ على أيدي السفهاء، وأطرهم على الحق أطراً، غافلين عن أن إقامة الحدود هي الرحمة في مآلاتها، والحياة في كمالاتها {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يأُولِي ٱلأَلبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.
إن الشفقة على المجرمين تخفي أشدّ أنواع القسوة على الجماعة، لأنها تشجّع الشواذ على الإجرام وتدفعهم إلى المزيد من انتهاك أمن المجتمع وحرمة الناس وأعراضهم وأموالهم .
ومن الصراع مع الحقيقة أن البعض اختزلوا هذا الدين في أفكارهم واجتهاداتهم القاصرة فلم يعد قابلاً للتطبيق إلا في بيئة ضيقة وناحية محدودة ، بينما حاول آخرون إقصاءه عن كافة جوانب الحياة وحجره واختصاره في الأحوال الشخصية ، بحجة أنه لا يناسب تطور العصر.
إن حقيقة هذا الدين أنه رسالة إلى كل الأجيال منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة . إنه دين عالمي شامل لكل شيء { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.{ إن هو إلا ذكر للعالمين }.
فهذه الرسالة تشمل حياة الإنسان بكل جوانبها روحاً وعقلاً ومادة ، لأنها تضمنت من التشريعات ما يضمن سلامة البدن ونشاطه وصحته وحفظه من الأمراض ، وما فيه إصلاح الفرد والجماعة ، وكما اهتمت بحياة الفرد في كل جوانبها، اهتمت كذلك بالجماعة ، فشرعت من النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما يكفل ببناء مجتمع راق متحضر يعبد الله ويبني الحياة على أحسن نظام .
مما يجلي حقيقة هذا الدين أنه جمع بين الأصالة والمعاصرة ؛ بين الاعتصام بوحي معصوم لا يأتيه الباطل من بين يدي ولا من خلفه ، وبين مواكبة تطورات العصر ... لا كما يتوهمه البعض أنه ليس بين المسلمين وبين صناعة الطائرات سوى تمزيق الحجاب ، وأنه ليس بينهم وبين القنبلة الذرية سوى تنحية الشريعة ، وأنه ليس بينهم وبين التوصل إلى تقنية الاتصالات سوى إطلاق أبواب الغرائز على مصاريعها .
إن الأمر أعمق وأهم من كل ما ذكرنا ، فحقيقة الوسطية في الإسلام لا تقف عند مجرد السرد التطبيقي وإنما تتجاوز ذلك إلى بنيته المكانية والزمانية ومفهومه الجغرافي والتاريخي.
فالإسلام تميز بالثبات والمرونة، وحسن التعامل مع المتغيرات ، ووضع الضوابط للتكيف مع المستجدات ، فهو بثوابته وأصوله يستعصي على التميع والذوبان . وإن المساومة على هذه الثوابت لهو خيانة عظمى، وجنون لا عقل معه، وإغماء لا إفاقة فيه؛ إذ شرف المرء وشرف المجتمع إنما هو في الانتساب إلى الإسلام، والعمل به، والدعوة إليه، والثبات عليه حتى الممات .
ومن يتنكب عنه ويتنكر له إنما هو من صرعى الأفئدة المقلّدة، الذين لا يفرقون بين الثوابت والمتغيرات، أو ممن يضيفون الأسباب إلى غير مسبِّباتها، ويستسمنون كل ذي ورم، ثم هم يغفلون عن حقيقة هذا وذاك. وهذا انحراف من جهتين وجانبين :
فلو سرق إنسان في المسجد لعلت صيحاتهم تدعو إلى هدم المساجد أو إغلاقها، لئلا تتكرر السرقة زعموا، ولو أن امرأةً محجبة غشت وخدعت لتنادوا إلى نزع الحجاب، وبيان خطره، وأنه مظنة الغش والخداع، فلا هم في الحقيقة قطعوا يد السارق، ولا عزّروا تلك التي غشت وخدعت، وإنما دعوا لهدم المسجد ونزع الحجاب، وهذا هو سرّ العجب، وهو ما يثير الدهشة حينما ترى مثل هذا الفكر المقلوب، الذي لا صحيح فيه إلا أنه غير صحيح، وأحسن ما فيه أنه غير حسن .
لقد استطاع الإسلام بمرونته أن يتكيف ويواجه التطور بلا جمود ولا تحجر، وبدون اتخاذ موقف سلبي من كل ما هو جديد نافع مفيد للمسلمين في دنياهم ومعاشهم . فهو يبني الحياة على القواعد الشرعية والنواميس المرعية التي تستجيب لحاجات الأمة في مختلف الظروف والأحوال { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
نعود ونؤكد أن حقيقة هذا الدين : وسطية شاملة جامعة لكل أمور الدين والدنيا والآخرة ، بل إنها وجه من وجوه الإعجاز فيه وسبب لصلاحيته لكل زمان ومكان .
إن النظرة الضيقة تحجِّم دورنا العالمي وتردَّنا إلى الصراع المحلي بعيداً عن قيادة البشرية إلى ما فيه خيرها وسعادتها، قيادةً تُصان فيها الحقوق ، وتتحقق العدالة ، وتُحفظ الكرامة، ويُبسط السلام، وتُبنى الحضارة بأسس ثابتة من التقوى والخير والعدل والسلام ، بعد أن شقي العالم بألوان الصراعات، وأُنهكت البشرية بأنواع من الصدامات، وتقاذفت الإنسانية أمواج من الأنظمة والأهواء، ومُزقت كياناتها في رحلة منهكة من الضياع ، وهوةٍ سحيقة من الفناء، وبُؤر عميقة من التيه والعدم ، رافق ذلك كله ألوان من الصلف والتطرف والأحادية في الرأي والشطط في الرؤى والمواقف، ولئن صار حال العالم إلى ما نراه اليوم من ضياع وصراع فإن الأمل ـ بعد الله ـ في أن تـنهض هذه الأمة من عثرتها وتفيق من غفلتها وتجمع من شتاتها لتمارس دورها الريادي وتؤسس مشروعها الحضاري بمنهج قويم وصراط مستقيم { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
هذه هي حقيقة الإسلام في وسطيته وسماحته ويسره واعتداله ، التي تشهد صراعاً بين طرفي نقيض .هذا الصراع لا يزيلها لكنه يزيل النعم والأمن عنها .


الشيخ / سعد البريك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eltwhed.yoo7.com
 
وسط بين طرفين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التوحيد :: شبهات وردود علمية :: العولمة والعلمانية-
انتقل الى: